أبي منصور الماتريدي

275

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

جعلته نكالا » . فعلم النحو ضروري للمفسر ؛ لأن المعنى يتغير بتغير الحركات تغيرا كبيرا . وعلم الصرف والاشتقاق ضروريان - أيضا - للمفسر ؛ حتى لا يخبط الإنسان خبط عشواء . المجموعة الثانية : علوم البلاغة « المعاني - البيان - البديع » وهي ضرورية لمن أراد تفسير الكتاب العزيز ؛ لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز ، وذلك لا يدرك إلا بهذه العلوم . المجموعة الثالثة : أصول الفقه ، وأسباب النزول ، ومعرفة الناسخ والمنسوخ ، ومعرفة علم القراءات ، وهي كلها مما يحتاج إليه المفسر بالرأي ؛ حتى لا يخطئ الفهم ، ولا تزل قدمه بسبب الجهل بهذه الأمور الضرورية . وأخيرا : علم الموهبة ، ويقصد به العلم اللدني الرباني آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] الذي يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم ، ويفتح قلبه لفهم أسراره ، قال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 282 ] فهو ثمرة التقوى والإخلاص ، ولا ينال هذا العلم من كان في قلبه بدعة أو كبر أو حب للدنيا أو ميل إلى المعاصي ، قال تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ الأعراف : 146 ] وما أجمل قول الشافعي رحمه الله : شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور * ونور الله لا يهدى لعاصي « 1 » قال السيوطي : « ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول : هذا شيء ليس من قدرة الإنسان ، وليس كما ظننت من الإشكال ، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد . ثم قال : « علوم القرآن وما يستنبط منه بحر ولا ساحل له ، فهذه العلوم التي ذكرناها هي كالآلة للمفسر ، ولا يكون مفسرا إلا بتحصيلها ، فمن فسر بدونها كان مفسرا بالرأي المنهي عنه » « 2 » .

--> ( 1 ) ينظر : محمد علي الصابوني : التبيان في علوم القرآن ص 157 - 161 . ( 2 ) الإتقان ( 2 / 181 ) .